ازياء بنات الجامعه والمدارس ازياء بنات اخر موضه


دخل أستاذ علم الاجتماع على طلابه فوجد كثيراً منهم يرتدي الزّي الأفغاني أو الإيراني، وقد حدث موقف مشابه لأستاذ مادة الرِّياضيات حين رأى طلابه بملابس قصيرة، ولبعضهم شعر كدشي مروِّع! إنَّ هذه الصُّور محل استنكار كثير من العقلاء أيَّاً كانت منطلقاتهم، فالزّي يرتبط بالهويّة؛ ولا يتنازل عن هويته إلاّ منسلخ أو جاهل، ولا مكان لدعوى الحرّية هنا؛ فالحرّية في مواضع معينة تعني الفوضى.
 
وقد حدثني مَنْ يتولى إعادة قريبته من إحدى جامعات الرِّياض عن مناظر الفتيات ساعة خروجهنَّ من مبنى الجامعة، إذ يلبس بعضهنَّ ملابس تتفاوت في القصر من فوق الكعبين إلى حدود الرُّكبتين؛ حتى أنَّ بعض هذه المقاسات لو كانت على رجل متدين لرمقه البعض بنظرة اتِّهام وربَّما ازدراء. ويعظم الأمر على صاحبنا حين يلعب الهواء بعباءة الطَّالبة مبدياً شيئاً من مفاتنها وشكل جسدها؛ أو حين تقفز إلى الحافلة ذات الباب العالي.
 
     قلت لمحدِّثي: غضَّ بصرك! فأجابني مبتسماً أنَّ الظباء قد تكاثرت على خراش فلا يدري أين يضع بصره؟ فاقترحت عليه أن يتخذ لنفسه مكاناً قصيّاً ينتظر فيه قريبته حتى لا يضطَّر إلى الوقوف والنَّظر، فاعتذر بسوء تنظيم الحركة حول الجامعة وصعوبة الحصول على موقف ثابت دائما؛ إضافةً إلى أنَّه يرحم قريبته من البحث والمشي وحيدة بين السَّيارات والرِّجال، وحين اقترحت عليه استئجار حافلة أفادني بأن الحافلات تأخذ الطالبة باكراً وتعيدها متأخرة؛ وزاد أنه فشل في إسناد هذه المهمة إلى غيره من المحارم، وبعيداً عن الحلول فإنَّ أصل المشكلة باق ولا يكفي زجر رجل واحد عن النَّظر!  
 
     وتذكرت بعد هذا الحوار مقالاً قرأته لكاتبة فاضلة في صحيفة محليّة؛ روت فيه أنَّ زائرة غربيّة تعجبت من ملابس بعض نسائنا في حفلات الأعراس التي لا تختلف كثيراً عن لباس البحر! وقد زارت داعية سعودية مشهورة بلداً خليجياً بدعوة رسميّة، وقابلت كثيراً من نساء ذلك البلد، ودخلت بيوتات أهله بدءاً من الحاكم وانتهاءً بعامَّة النَّاس، ولاحظت في زيارتها وجولاتها المتعدِّدة أنَّ اللباس السَّابغ هو سمة نساء البلد، ونسبة العري قليلة في الكم والكيف؛ وبعض الشَّابات هناك لا يخرجن إلى فناء بيوتهنَّ دون غطاء رأس! وإنَّه لأمر يجلب السُّرور بهذا التَّصون، ولكنَّه يحزننا حين نقارنه بحال بعض مجتمعاتنا النِّسائية التي تزداد فيها رقعة العراء.
 
ولدي اعتقاد كبير أنَّ هذه الطَّريقة المبتذلة في اللباس ليست دليلاً على رغبة الفتاة في الفجور، وإنِّما هو نوع من خواء الرُّوح يعالجنه بعراء الجسد، بسبب التَّقليد أو رغبةً في التَّفرد أو تنفيساً عمَّا يواجهنه من حرمان وتجاهل أو لفتاً للأنظار أحيانا. وتزداد أهمية طرق موضوع الأزياء مع الحملة التَّغريبية المتواصلة ضد المرأة والمجتمع، إضافة إلى أنَّنا ننشد أجيالاً رائدة في الإصلاح والإبداع والتَّغيير الإيجابي؛ ويصعب وجود هذه الصِّفات في أبناء لا همّ لأمهاتهم سوى الزِّي والزِّينة بلا ضوابط شرعيّة، فضلاً عن أنَّ الإفراط في تجميل المظهر يقضي على الرُّوح ويحرم العقل والقلب واللسان من الاهتمام اللائق بها.
 
وللأديبة العراقية الرَّاحلة د.نازك الملائكة محاضرة جميلة([1]) مطبوعة بتعليق الشَّيخ محمد عيد العبَّاسي تنعى فيها على المرأة العربية نسيان العناية بشخصيتها وعقلها وروحها مقابل الإسراف في الملبس والتَّزين؛ والإفراط في أدق التَّفاصيل التي لا تستثني الحذاء أو ربطة الشَّعر؛ وفيه قالت: "ولكم أحترم الهند في أنها حافظت على لباسها، وصمدت في وجه الغرب صموداً رائعاً. فالمرأة الهندية تلبس الساري الهندي الجميل الذي يلف كتفيها؛ ويهبط حتى قدميها، فيحفظ كرامتها القومية، ويصون عزتها النسوية. إن ملابسها هندية وليست أوربية؛ وهي تلبسها في وطنها والعالم كله، وهي لا تقدس أزياء الغرب".
 
ولا تخلو إدارات جامعاتنا من رجال ونساء يخافون الله، ويحرصون على المجتمع، ويترفعون عن الهوى، وهذه سمة العقل الأكاديمي الباحث عن الحقيقة بتجرُّد، فليت واحداً من هؤلاء يملك من الشَّجاعة ما يكفي لضبط ألبسة الفتيات في الجامعة ومتابعتها بصرامة تربوية دون الالتفات للضَّجيج المصطنع حول المرأة، وللبريق الخاطف لمن يقدِّم التَّنازلات بشأنها؛ فالخاطف اليوم خافت غداً،  وليتعاملوا مع الأمر تماماً كما سيفعلون لو لبس الطُّلاب زيِّا أفغانيّاً أو إيرانيّاً أو غربيّا! وهو ما نرفضه لأسباب دينية ولمصالح وطنية واجتماعية.  
 
ولا أغفل الجانب التَّربوي المتزن المرجو من الآباء والأمهات، وهذا الموضوع يحتاج حديثاً خاصَّا، ولعلَّ في الكتب والبرامج التَّدريبيَة ما يعين الأبوين المخلصين على أداء رسالتهما الأبوية بنجاح وحنان. والمأمول من المحاضن التَّربوية والدَّعوية النِّسائية ألاّ تقتصر على العناية بضبط المظاهر الخارجيّة وتهمل تعبيد القلب لله وسوق الجوارح كلها للسُّجود بين يدي الله خاضعة طائعة، لأنَّ السُّلوك فرع عن الاعتقاد والتَّصور، وإصلاح التَّفكير وتعميق الوعي طريق أكيد لتحسين الأخلاق والارتقاء بالاهتمامات، فجمال المرأة الحقيقي كما تقول د. نازك: " ينبع من الروح الكبيرة المستوعبة، والذهن الحر المرن، والقلب النابض الرقيق. وهو جمال الخلق الكريم والعذوبة، والخشوع لله والنزاهة وكبر النفس".
 

أحمد بن عبد المحسن العسَّاف-الرِّياض
الأحد 22 من شهرِ ذي الحجة الحرام عام 1431
ahmadalassaf@gmail.com
 

-------------------------------------
([1])عنوان الكتاب: مآخذ اجتماعية على حياة المرأة العربية، وهو محاضرة ألقيت في جامعة البصرة قبل أربعين عاما.

 

أزياء بنات الجامعة!

أحمد بن عبد المحسن العساف